ترند وأخبار الأفضل

مبادرة بي دي كلين: كيف نجح شباب بنجلاديش في صناعة أكبر حركة شعبية للنظافة؟

في قلب المدن المزدحمة في بنجلاديش، وبين الأزقة الضيقة والأنهار التي كانت يومًا شرايين للحياة، تراكمت النفايات حتى كادت تطمس ملامح الجمال الطبيعي وتحول البيئة إلى عبء يومي على السكان. كان المشهد مألوفًا ومحبطًا في الوقت نفسه، وكأن التلوث أصبح قدرًا لا مفر منه.

لكن في صيف عام 2016، ظهرت شرارة أمل غيرت هذا الواقع، حين قرر مجموعة من الشباب أن التغيير لا يأتي بالانتظار، بل بالفعل. ومن هنا وُلدت مبادرة بي دي كلين، واحدة من أنجح وأكبر الحركات التطوعية للنظافة في تاريخ بنجلاديش.

هذه القصة ليست مجرد حكاية عن تنظيف الشوارع، بل عن وعي مجتمعي، وإيمان بأن الفرد قادر على إحداث فرق، مهما بدا بسيطًا في البداية.


كيف بدأت مبادرة بي دي كلين؟

تأسست مبادرة بي دي كلين في الثالث من يونيو عام 2016 على يد الشاب البنجلاديشي فريد أودين، في وقت كانت فيه فكرة العمل التطوعي البيئي تبدو للكثيرين مثالية أكثر منها واقعية، خاصة في دولة يتجاوز عدد سكانها 170 مليون نسمة.

في ذلك الوقت، لم تكن المبادرة تمتلك تمويلًا ضخمًا ولا دعمًا حكوميًا مباشرًا، بل اعتمدت بشكل أساسي على:

  • الحماس الشبابي
  • الجهود الذاتية
  • الإيمان بأن النظافة مسؤولية جماعية

كانت البداية صغيرة، لكنها كانت صادقة، ومع الوقت تحولت الفكرة من مجرد مجموعة متطوعين محدودين إلى حركة شعبية واسعة.


رؤية واضحة ورسالة بسيطة

منذ اللحظة الأولى، وضعت مبادرة بي دي كلين رؤية طموحة لكنها واضحة: أن تصبح بنجلاديش دولة خالية من النفايات، وأن يكون كل مواطن فيها حارسًا لنظافة بيئته. لم تكتفِ المبادرة بجمع القمامة، بل سعت إلى تغيير الثقافة المجتمعية المرتبطة بالنظافة، معتبرة أن النظافة ليست مهمة الجهات الرسمية فقط، بل سلوك حضاري يبدأ من الفرد وينعكس على المجتمع بأكمله.


توسع سريع وانتشار غير مسبوق

خلال سنوات قليلة فقط، شهدت مبادرة بي دي كلين توسعًا لافتًا، حيث وصل عدد المتطوعين إلى أكثر من 50 ألف متطوع من مختلف فئات المجتمع، من بينهم:

  • طلاب الجامعات
  • سائقي التوك توك
  • ربات البيوت
  • موظفو الشركات
  • شباب من مختلف الأعمار والخلفيات

تم تقسيم بنجلاديش إلى مناطق، يشرف على كل منطقة منسق محلي، يعمل وفق خطة أسبوعية لتنظيف:

  • الأحياء السكنية
  • الشوارع العامة
  • الحدائق
  • الأنهار والقنوات المائية

هذا التنظيم الدقيق ساعد المبادرة على الاستمرارية وعدم الاكتفاء بحملات موسمية مؤقتة.


العمل دون تمويل حكومي كبير

من أبرز ما يميز مبادرة بي دي كلين أنها لم تعتمد على تمويل حكومي ضخم، بل قامت على:

  • التبرعات البسيطة
  • مساهمات المتطوعين
  • دعم المجتمع المحلي

هذا الاستقلال المالي عزز مصداقية المبادرة، ورسخ لدى المشاركين قناعة بأن العمل نابع من إرادة حقيقية، لا من مصالح أو مكاسب مادية.

“قد يهمك: تحديث ببجي الجديد


حملات مفصلية غيرت وجه المدن

حملة تنظيف نهر كهواي: نقطة تحول تاريخية

من أبرز إنجازات مبادرة بي دي كلين حملة تنظيف نهر كهواي في مدينة هاب جانج. شارك في هذه الحملة أكثر من 600 متطوع، عملوا على تنظيف نهر لم تمس مياهه منذ أكثر من 40 عامًا. الصور التي التُقطت قبل وبعد الحملة كانت صادمة، ليس فقط لسكان المدينة، بل للعالم بأسره. عاد مجرى النهر للحياة، وتحول من مكب للنفايات إلى مصدر فخر لأهالي المنطقة.

إحياء قناة شيما سونداري في رانغبور

لم تتوقف المبادرة عند الأنهار الكبرى، بل أطلقت مشروعًا آخر لإحياء قناة شيما سونداري في مدينة رانغبور، وهي قناة بطول خمسة كيلومترات كانت شبه ميتة بسبب تراكم القمامة.

بفضل جهود مبادرة بي دي كلين، استعادت القناة رونقها، وأصبحت مزارًا بيئيًا ومتنفسًا طبيعيًا لسكان المدينة، ودليلًا حيًا على أن الإرادة قادرة على إحياء ما ظنه الجميع مفقودًا.


الابتكار في خدمة البيئة: مبادرات نوعية

حملة «اشعل المصباح الأحمر» – 2025

في عام 2025، أطلقت مبادرة بي دي كلين فكرة مبتكرة بعنوان «اشعل المصباح الأحمر»، وهي حملة تهدف إلى تشجيع المواطنين على التبليغ عن أماكن تراكم القمامة عبر تطبيق خاص بالمبادرة.

تميزت هذه المبادرة بعدة عناصر:

  • دمج التكنولوجيا بالعمل البيئي
  • إشراك المواطنين بشكل مباشر
  • تقديم جوائز رمزية للمشاركين

كانت الفكرة بسيطة لكنها ذكية، وساهمت في رصد أكثر النقاط تلوثًا، مما سهّل على المتطوعين تنظيم حملاتهم بشكل أكثر فعالية.

مبادرة «الحرم النظيف.. الحرم الأخضر»

استهدفت هذه المبادرة المدارس والجامعات، بهدف ترسيخ ثقافة النظافة لدى الشباب منذ سن مبكرة. تحول العديد من الطلاب المشاركين إلى دعاة للنظافة داخل أسرهم ومجتمعاتهم، ما خلق تأثيرًا متسلسلًا تجاوز حدود الحرم الجامعي.


من القمامة إلى الفن: رسالة بصرية قوية

لم تقتصر جهود مبادرة بي دي كلين على جمع النفايات فقط، بل سعت إلى تغيير نظرة المجتمع للمخلفات نفسها.

قام المتطوعون بتحويل القمامة إلى:

  • أعمال فنية
  • لوحات توعوية
  • معارض مصنوعة من الزجاجات البلاستيكية وبقايا المعادن والورق

كانت هذه الأعمال تحمل رسالة قوية مفادها: حتى القمامة يمكن أن تنطق بالجمال، إذا وجد من يؤمن بالتغيير.


التحديات والانتقادات

رغم النجاحات الكبيرة، لم تكن مسيرة مبادرة بي دي كلين خالية من العقبات، فقد واجهت:

  • اتهامات باستغلال الجهود التطوعية
  • صعوبات في تمويل الحملات المتزايدة
  • تحديات لوجستية في بعض المناطق

لكن المبادرة استمرت، لأن قوتها الحقيقية لم تكن في المال، بل في الإرادة الجماعية لمجتمع قرر أن يرى وطنه نظيفًا كما ينبغي.

“قد يهمك: زيوت توتال للسيارات


الأثر المجتمعي لمبادرة بي دي كلين

أحدثت مبادرة بي دي كلين تأثيرًا عميقًا على المجتمع البنجلاديشي، تمثل في:

  • رفع الوعي البيئي
  • تعزيز روح العمل التطوعي
  • تحسين صورة المدن والأنهار
  • غرس قيمة المسؤولية الفردية

لم يعد تنظيف الشوارع مجرد نشاط عابر، بل أصبح رمزًا لوحدة المجتمع حول هدف نبيل.


لماذا تُعد مبادرة بي دي كلين نموذجًا ملهمًا؟

تُظهر تجربة مبادرة بي دي كلين أن التغيير الحقيقي لا يحتاج إلى معجزات، بل إلى:

  • فكرة صادقة
  • قيادة مؤمنة
  • مشاركة مجتمعية واسعة

وهو درس يمكن أن تستفيد منه مجتمعات كثيرة حول العالم، خاصة في الدول التي تعاني من مشكلات بيئية مشابهة.


أسئلة شائعة حول مبادرة بي دي كلين

1. متى تأسست مبادرة بي دي كلين؟

تأسست في 3 يونيو عام 2016 على يد الشاب فريد أودين.

2. هل تعتمد المبادرة على تمويل حكومي؟

لا، تعتمد بشكل أساسي على الجهود الذاتية والتبرعات المجتمعية.

3. كم عدد المتطوعين في المبادرة؟

تجاوز عدد المتطوعين 50 ألف شخص من مختلف فئات المجتمع.

4. ما أبرز إنجازات المبادرة؟

تنظيف نهر كهواي، إحياء قناة شيما سونداري، وإطلاق حملات توعوية مبتكرة مثل «اشعل المصباح الأحمر».

5. ما الهدف النهائي لمبادرة بي دي كلين؟

أن تصبح بنجلاديش دولة خالية من النفايات، وأن يكون كل مواطن مسؤولًا عن نظافة بيئته.


خاتمة: عندما تتوحد الإرادة يصنع التغيير

في النهاية، تبقى مبادرة بي دي كلين شاهدًا حيًا على أن التغيير لا يبدأ من القرارات الكبرى فقط، بل من يد تمتد لتنظيف شارع، ومن قلب يؤمن بأن الوطن يستحق الأفضل. لقد أثبتت بنجلاديش، من خلال هذه التجربة، أن أمة واحدة حين تتوحد حول هدف نبيل، قادرة على تنظيف شوارعها، وإحياء أنهارها، وتطهير روحها قبل كل شيء. هذه ليست مجرد قصة نظافة، بل قصة وعي، وإرادة، ومستقبل أكثر نقاءً.

محمد علي

الاسم/ محمد علي، من مصر، متخصص في نشر المقالات الإخبارية من المصادر والمراجع المختلفة، حيث أقوم بنشر الأخبار بعد التأكد منها، وبعد القيام بتحليلها وعرض مختلف الآراء حولها، وهدفي من ذلك نشر الحقيقة الكاملة بين الناس، أقوم بنشر أهم الأخبار في مصر والعراق والسعودية ومختلف الدول العربية، وكذلك الأخبار العالمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى