قصة الطائرات العراقية التي هربت إلى إيران عام 1991 ولم تعد

تُعد قصة الطائرات العراقية التي هربت إلى إيران خلال حرب الخليج الثانية عام 1991 واحدة من أبرز الوقائع المثيرة للجدل في تاريخ العلاقات بين بغداد وطهران، خاصة أن البلدين كانا قد خاضا حربًا استمرت ثماني سنوات، قبل أن يجد الرئيس العراقي صدام حسين نفسه مضطرًا إلى طلب المساعدة من خصمه السابق لحماية جزء مهم من سلاح الجو العراقي.
وبحسب الرواية المتداولة عن هذه الأحداث، أرسلت العراق نحو 150 طائرة عسكرية ومدنية إلى المطارات الإيرانية، بهدف حمايتها من الغارات الجوية التي شنتها الولايات المتحدة وقوات التحالف خلال حرب تحرير الكويت.
لكن الأزمة الحقيقية بدأت بعد انتهاء الحرب، عندما طالبت بغداد باستعادة طائراتها، بينما احتفظت إيران بها، معتبرة إياها تعويضًا عن خسائر الحرب العراقية الإيرانية. فلماذا اختار صدام حسين إيران تحديدًا؟ وما مصير الطائرات التي وصلت إلى أراضيها؟ وهل تمكن العراق من استعادة أي منها؟
لماذا قرر صدام حسين إرسال الطائرات العراقية إلى إيران؟
مع اقتراب اندلاع حرب الخليج الثانية، كانت القيادة العراقية تتوقع تعرض المطارات والقواعد الجوية لهجمات أمريكية واسعة، تستهدف تدمير الطائرات الموجودة على الأرض وإضعاف قدرة الجيش العراقي على القتال.
وكان سلاح الجو العراقي آنذاك يمتلك أسطولًا كبيرًا من الطائرات المقاتلة وطائرات النقل، بعد سنوات من التوسع والتطوير. وفي ظل التفوق الجوي المتوقع لقوات التحالف، أصبح الحفاظ على الطائرات الأكثر أهمية أولوية بالنسبة للقيادة العراقية.
لذلك اتخذ صدام حسين قرارًا بإرسال مجموعة مختارة من الطائرات إلى دولة مجاورة، حتى تتمكن من العودة إلى العراق بعد انتهاء العمليات العسكرية. ولم يكن الهدف نقل الأسطول الجوي بالكامل، وإنما حماية عدد محدود من الطائرات التي يصعب تعويض خسارتها.
لماذا اختارت العراق إيران رغم الحرب بين البلدين؟
يبدو اختيار إيران غريبًا بالنظر إلى تاريخ العلاقات بين البلدين، فقد خاض العراق وإيران حربًا طويلة بين عامي 1980 و1988، خلفت خسائر بشرية واقتصادية هائلة. لكن الظروف السياسية المحيطة بالعراق قبل حرب تحرير الكويت جعلت خياراته محدودة للغاية.
فقد كانت السعودية ودول خليجية أخرى تقف ضد الغزو العراقي للكويت، بينما لم تكن بعض الدول المجاورة قادرة على توفير الحماية المطلوبة للطائرات العراقية.
أما تركيا، فكانت عضوًا في حلف شمال الأطلسي، وهو ما جعلها خيارًا غير مناسب بالنسبة لبغداد. في المقابل، كانت العلاقات بين إيران والولايات المتحدة شديدة التوتر، الأمر الذي جعل الأراضي الإيرانية تبدو ملاذًا مناسبًا للطائرات العراقية. ومن هنا بدأت محاولات التوصل إلى تفاهم مع طهران، رغم العداء السابق بين الطرفين.

ما الاتفاق الذي سبق انتقال الطائرات إلى إيران؟
بحسب الرواية الواردة عن المفاوضات، أرسل صدام حسين وفدًا عراقيًا إلى إيران لعرض مجموعة من التسهيلات الاقتصادية والتجارية.
وشملت المقترحات فتح طرق للتبادل التجاري والسفر بين البلدين، والاستفادة من الموانئ وخطوط النقل، إلى جانب مناقشة ترتيبات تتعلق بتصدير النفط. وفي المقابل، طلب العراق السماح بإيواء بعض طائراته وسفنه داخل الأراضي والموانئ الإيرانية حتى انتهاء الحرب.
وقد صورت الرواية هذا التفاهم باعتباره فرصة للطرفين، فالعراق كان يبحث عن حماية ممتلكاته العسكرية، بينما كانت إيران تسعى للاستفادة من التعاون الاقتصادي المقترح.
غير أن تفاصيل هذه التفاهمات، ومدى وجود التزامات رسمية بشأن إعادة الطائرات، تحتاج إلى وثائق تاريخية مستقلة لتأكيدها.
كم عدد الطائرات العراقية التي هربت إلى إيران؟
تشير الأرقام المذكورة في الرواية إلى انتقال نحو 150 طائرة عراقية إلى إيران خلال حرب الخليج الثانية. وضمت هذه المجموعة طائرات مقاتلة وطائرات نقل، إضافة إلى طائرات مدنية.
وكانت الطائرات المقاتلة المذكورة من طرازات متعددة، أبرزها:
- ميج 23 وميج 25 وميج 29.
- ميراج إف 1.
- سوخوي 20 وسوخوي 22 وسوخوي 24.
- طائرات نقل عسكرية من طراز إليوشن 76.
وتذكر الرواية أن أول مجموعة عراقية اتجهت إلى إيران يوم 15 يناير 1991، وبلغ عددها 33 طائرة. كما تشير إلى توزيع الرحلات على مطارات وقواعد مختلفة، لتقليل احتمالات رصد تحركات الطائرات أثناء انتقالها.
كيف وصلت الطائرات العراقية إلى المطارات الإيرانية؟
لم تكن رحلة الطائرات العراقية خالية من المخاطر، فقد كانت القوات الأمريكية تراقب المجال الجوي العراقي باستخدام وسائل الإنذار المبكر.
وبحسب الأحداث المذكورة، رصدت طائرات الإنذار الأمريكية عددًا من الطائرات العراقية خلال تحليقها باتجاه إيران، وجرى توجيه مقاتلات أمريكية لاعتراضها.
لكن الطائرات العراقية تمكنت من دخول المجال الجوي الإيراني قبل وصول المقاتلات الأمريكية إليها. وتوضح الرواية أيضًا أن السلطات الإيرانية وزعت الطائرات القادمة على أكثر من مطار، من بينها مطار مهرآباد ومطار زاهدان.
وكان الهدف المنسوب إلى هذا القرار تجنب تجميع جميع الطائرات في موقع واحد قد يتعرض لهجوم. وهكذا نجحت عملية نقل الطائرات بعيدًا عن المطارات العراقية، لكن مسألة استعادتها لاحقًا أصبحت مشكلة مختلفة تمامًا.
ماذا حدث للطائرات العراقية بعد انتهاء حرب الخليج؟
انتهت حرب الخليج الثانية في 28 فبراير 1991، وبعد توقف العمليات العسكرية بدأت بغداد المطالبة بإعادة الطائرات التي أرسلتها إلى إيران. غير أن الجانب الإيراني لم يستجب لهذه المطالبات وفقًا للرواية العراقية المتداولة.
وتذكر الرواية أن العراق حاول الاستعانة بوسطاء، كما أرسل مسؤولين من قطاع الطيران لمناقشة استعادة الطائرات المدنية والعسكرية. لكن الجهود لم تحقق النتيجة المطلوبة.
وبرز خلاف جوهري حول طبيعة وجود الطائرات في إيران؛ فالعراق اعتبرها ممتلكات أودعت مؤقتًا للحماية، بينما ارتبط الموقف الإيراني بمطالب التعويض عن خسائر الحرب العراقية الإيرانية. واستمر هذا الخلاف لسنوات طويلة، حتى بعد تغير الظروف السياسية داخل العراق.
هل أعادت إيران الطائرات العراقية عام 2014؟
عادت قضية الطائرات العراقية إلى الواجهة عام 2014، مع سيطرة تنظيم داعش على مدينة الموصل وحاجة الجيش العراقي إلى طائرات مقاتلة لمواجهة التنظيم. وفي تلك المرحلة، كانت بغداد تنتظر وصول مقاتلات أمريكية من طراز إف 16، لكنها واجهت تأخرًا في التسليم.
وبحسب الرواية، لجأ العراق إلى إيران للحصول على طائرات سوخوي 25، تساعده في عملياته العسكرية. وأثيرت لاحقًا روايات تفيد بأن بعض الطائرات التي وصلت إلى العراق كانت أصلًا جزءًا من الأسطول العراقي الذي انتقل إلى إيران عام 1991.
وبالتالي، ظهرت اتهامات بأن العراق اضطر إلى دفع أموال مقابل طائرات كانت مملوكة له سابقًا. لكن تفاصيل ملكية الطائرات التي جرى تسليمها، وطبيعة الترتيبات المالية المتعلقة بها، تحتاج إلى التحقق من السجلات والاتفاقيات المعنية، ولا ينبغي التعامل مع جميع الاتهامات المتداولة باعتبارها حقائق محسومة.
كيف أثرت حرب الخليج الثانية على سلاح الجو العراقي؟
تعرض سلاح الجو العراقي لخسائر كبيرة خلال حرب تحرير الكويت، نتيجة المواجهات الجوية والهجمات التي استهدفت القواعد والمطارات.
وتشير الرواية إلى أن القوات العراقية فقدت مئات الطائرات خلال الحرب، سواء في الاشتباكات المباشرة أو أثناء وجودها على الأرض. كما تعرضت الملاجئ المحصنة للطائرات للهجوم، وهو ما زاد من حجم الخسائر.
ورغم نجاح العراق في نقل مجموعة من طائراته إلى إيران، فإن هذا القرار لم يمنع تراجع قدراته الجوية بصورة كبيرة. بل فتح ملفًا جديدًا من الخلافات بين البلدين، استمر بعد انتهاء الحرب بسنوات.
“قد يهمك: فيديو فضيحة أسماء جلال المسرب تلجرام: التفاصيل والحقيقة الكاملة”
قصة الطائرات العراقية التي هربت إلى إيران عام 1991: الخلاصة
تكشف قصة الطائرات العراقية التي هربت إلى إيران عام 1991 جانبًا مهمًا من التعقيدات السياسية والعسكرية التي صاحبت حرب الخليج الثانية.
فقد حاول صدام حسين حماية جزء من سلاح الجو العراقي من الغارات الأمريكية، واختار إيران رغم سنوات العداء والحرب بين البلدين. لكن الطائرات التي خرجت من العراق لم تعد جميعها، وتحولت قضيتها إلى خلاف طويل حول الملكية والتعويضات والالتزامات بين الدولتين.
وتبقى هذه الواقعة مثالًا على صعوبة القرارات العسكرية في أوقات الأزمات، وكيف يمكن لخطوة تهدف إلى تجنب خسارة فورية أن تترك آثارًا سياسية وعسكرية تمتد لسنوات طويلة.



