البورصة السعودية بين الضغوط والفرص: هل يقود خفض الفائدة إلى ارتداد مرتقب؟

يشهد سوق الأسهم السعودية مؤخراً حالة من الضغوط البيعية التي أثرت على أدائه العام، ليبقى المؤشر العام “تاسي” يكافح للخروج من مساره الهابط الذي بدأه منذ مطلع العام. وتأتي هذه التحديات في ظل تراجع أسعار النفط، والمنافسة الشرسة من أدوات الدخل الثابت، والأهم من ذلك، التوجه المتزايد للمستثمرين المحليين نحو الأسواق الخارجية. وبينما يعكس أداء البورصة السعودية الحذر الذي يسيطر على المستثمرين، يُعدّ تراجع مؤشر السوق السعودي دليلاً على حالة من عدم اليقين، في حين تتشكل ملامح جديدة للاستثمار في الاقتصاد السعودي.
تحديات داخلية وخارجية تضغط على “تاسي”
أنهى مؤشر “تاسي” جلسة الأحد عند 10434 نقطة، متأثراً بتراجع معظم الأسهم القيادية باستثناء “أرامكو”، وهو ما ألقى بظلاله على معنويات المستثمرين. ويعزو محللون هذه الضغوط إلى عدة عوامل رئيسية:
- انخفاض أسعار النفط: يعتبر النفط شريان الحياة للاقتصاد السعودي، وأي تراجع في أسعاره ينعكس سلباً على التوقعات الاقتصادية بشكل عام، وبالتالي على أداء سوق الأسهم. فقد أنهى خام برنت تعاملات الأسبوع الماضي قرب 67 دولاراً للبرميل، وهو سعر لا يزال يثير قلق المستثمرين.
- منافسة الدخل الثابت: يواجه سوق الأسهم منافسة شرسة من أدوات الدخل الثابت، التي توفر عائدًا مستقرًا ومخاطر أقل. يرى المحللون أن هذا التوجه يحد من تدفق السيولة إلى الأسهم، مما يزيد الضغط البيعي.
وعلى الرغم من هذه التحديات، هناك بصيص من الأمل. يشير بعض الخبراء إلى أن السوق الآن تُتداول عند مستويات جاذبة في قطاعات معينة مثل البنوك، التي وصلت إلى تقييمات مغرية مقارنة بنظيراتها في المنطقة، خاصة من حيث توزيعات الأرباح والنتائج المالية.
خفض الفائدة الأمريكي: فرصة للارتداد المرتقب

تتجه أنظار المستثمرين المحليين والعالميين إلى قرارات السياسة النقدية الأمريكية، والتي تحمل في طياتها فرصة محتملة لارتداد سوق الأسهم السعودية. فمن المتوقع أن يخفض مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة خلال اجتماعه المقبل في منتصف سبتمبر، وهو ما قد يقلل من جاذبية أدوات الدخل الثابت ويرفع من شهية المخاطرة، وبالتالي يعيد توجيه السيولة إلى الأسهم.
يشير الخبراء إلى أن “تاسي” قد خسر نحو 13% منذ بداية العام الجاري، وهو ما أثر إيجابيًا على التقييمات ومكررات الربحية للسوق بشكل عام، مما يجعله أكثر جاذبية للمستثمرين الباحثين عن فرص استثمارية جيدة على المدى الطويل. هذا الانخفاض قد يكون بمثابة تصحيح صحي للسوق، يمهد الطريق لارتداد قوي بمجرد تحسن المعنويات.
تغير وجهة المستثمرين: من “تداول” إلى “وول ستريت”

لا تقتصر المنافسة التي تواجهها البورصة السعودية على أدوات الدخل الثابت فحسب، بل تمتد لتشمل البورصات الأجنبية، وعلى رأسها الأسواق الأمريكية. ففي الوقت الذي تتراجع فيه قيم وأحجام التداول في السوق السعودية، يتزايد إقبال المستثمرين السعوديين على البورصات الأميركية بشكل ملحوظ. وقد تضاعفت استثمارات السعوديين في الأسواق الأميركية أكثر من 3 مرات لتبلغ 193 مليار ريال بنهاية الربع الثاني من العام الجاري، مقارنة بـ58.5 مليار ريال فقط قبل عام.
يعود هذا التوجه إلى عدة عوامل، أبرزها الأداء القياسي للأسهم الأمريكية، حيث يرى المحللون أن غياب الحد الأقصى للارتفاع في السوق الأمريكية (على عكس سوق “تداول” الذي يفرض حداً أقصى 10% في الجلسة الواحدة) يجذب المزيد من السيولة السعودية. هذا التحول في توجه المستثمرين يعكس بحثهم عن عوائد أعلى، حتى لو تطلب ذلك الخروج من السوق المحلية.
“تعرف على: عصر جديد للعملات الرقمية“
أداء الأسهم الجديدة: سهم “الماجدية” في دائرة الضغط
تأثرت الشركات الجديدة المدرجة في السوق أيضًا بالضغوط العامة، حيث واصل سهم “الماجدية”، أحدث وافد على السوق، انخفاضه ليخسر 17% من قيمته منذ إدراجه قبل ثلاثة جلسات. يرى محللون أن السهم متأثر بالضغوط البيعية التي تواجهها السوق بشكل عام، مشيرين إلى أن الأسهم التي تم إدراجها في فترات سابقة كانت تجد تفاعلاً إيجابياً من المتعاملين، حتى لو كانت تقييماتها مرتفعة، وذلك بسبب الاتجاه الصعودي العام للسوق في ذلك الوقت. وهذا يؤكد على أن التوقيت المناسب للإدراج له دور كبير في نجاح الطرح الأولي للأسهم.
“قد يهمك: أفضل مركز صيانة مكن عد النقود في مصر“
خلاصة
يُظهر الأداء الحالي لسوق الأسهم السعودية أنه يمر بمرحلة صعبة، تتطلب من المستثمرين الحذر والتحليل العميق. فالضغوط البيعية الناتجة عن تراجع أسعار النفط والمنافسة من أدوات الدخل الثابت، بالإضافة إلى هروب السيولة إلى الأسواق الخارجية، جميعها عوامل تُلقي بظلالها على معنويات السوق. ومع ذلك، لا تزال هناك فرص كامنة في تقييمات بعض القطاعات، بالإضافة إلى احتمال أن يشكل قرار خفض الفائدة الأمريكية نقطة تحول تعيد الزخم إلى السوق. إن المشهد الحالي هو خير دليل على أن أسواق المال ليست مجرد أرقام، بل هي انعكاس لعوامل اقتصادية ونفسية متعددة تتفاعل لتشكل اتجاهاتها.



